فخر الدين الرازي
222
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الإنسان جبل على الضعف والعجز وقلة الصبر ، وجبل أيضا على الغرور والبطر والنسيان والتمرد والعتو ، فإذا نزل به البلاء حمله ضعفه وعجزه على كثرة الدعاء والتضرع ، وإظهار الخضوع والانقياد ، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النسيان فنسي إحسان اللَّه تعالى إليه ، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته ، وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم . المسألة الثامنة : في قوله تعالى : كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أبحاث : البحث الأول : أن هذا المزين هو اللَّه تعالى أو النفس أو الشيطان ، فرع على مسألة الجبر والقدر وهو معلوم . البحث الثاني : في بيان السبب الذي لأجله سمى اللَّه سبحانه الكافر مسرفا . وفيه وجوه : الوجه الأول : قال أبو بكر الأصم : الكافر مسرف في نفسه وفي ماله ومضيع لهما ، أما في النفس فلأنه جعلها عبدا للوثن ، وأما في المال فلأنهم كانوا يضيعون أموالهم في البحيرة والسائبة والوصيلة والحام . الوجه الثاني : قال القاضي : إن من كانت عادته أن يكون عند نزول البلاء كثير التضرع والدعاء ، وعند زوال البلاء ونزول الآلاء معرضا عن ذكر اللَّه متغافلا عنه غير مشتغل بشكره ، كان مسرفا في أمر دينه متجاوزا للحد في الغفلة عنه ، ولا شبهة في أن المرء كما يكون مسرفا في الإنفاق فكذلك يكون مسرفا فيما يتركه من واجب أو يقدم عليه من قبيح ، إذا تجاوز الحد فيه . الوجه الثالث : وهو الذي خطر بالبال في هذا الوقت ، أن المسرف هو الذي ينفق المال / الكثير لأجل الغرض الخسيس ، ومعلوم أن لذات الدنيا وطيباتها خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة . واللَّه تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة ، فمن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة ، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة ، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة ، فوجب أن يكون من المسرفين . البحث الثالث : الكاف في قوله تعالى : كَذلِكَ للتشبيه والمعنى : كما زين لهذا الكافر هذا العمل القبيح المنكر زين للمسرفين ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر ومتابعة الشهوات . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 13 إلى 14 ] وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 ) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 14 ) في الآية مسائل : المسألة الأولى : في بيان كيفية النظم . اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم كانوا يقولون : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] ثم إنه أجاب عنه بأن ذكر أنه لا صلاح في إجابة دعائهم ، ثم بين أنهم كاذبون في هذا الطلب لأنه لو نزلت بهم آفة أخذوا في التضرع إلى اللَّه تعالى في إزالتها والكشف لها ، بين في هذه الآية ما يجري مجرى التهديد ، وهو أنه تعالى قد ينزل بهم عذاب الاستئصال ولا يزيله عنهم ، والغرض منه أن يكون ذلك رادعا لهم عن قولهم إن كان هذا هو الحق من